بقلم: إنجي أبو الخير
ليس كل من ينتمي إلى مكان يحمل بالضرورة جنسيته؛ فثمة أوطان تدخل حياة الإنسان من أبواب لم يتوقعها، تمنحه فرصة، وتحتضن أحلامه، وتفتح أمامه آفاقًا لم يكن يتخيلها، حتى تصبح جزءًا من ذاكرته وحكايته، ويغدو نجاحها قريبًا من قلبه، ومستقبلها امتدادًا لمستقبل أبنائه.
فمنا من بدأت علاقته بالإمارات بعقد عمل، أو مقعد دراسي، أو فرصة مهنية، ثم اتسعت لتشمل تفاصيل الحياة اليومية؛ بيتًا بناه، وأسرة استقرت، وأبناء نشؤوا على أرضها، وذكريات تراكمت عامًا بعد عام، حتى أصبح المكان أكثر من مجرد عنوان في الأوراق الرسمية؛ أصبح وطنًا يسكن القلب، وتستقر فيه الروح، ويصبح ازدهاره أمنية صادقة، لا مجرد خبر نتابعه من بعيد.
واليوم الثالث من نوفمبر، يوم العلم الإماراتي، تتجه الأنظار إلى الراية التي تجمع أبناء الوطن والمقيمين على أرضه، وتختصر ألوانها حكاية اتحاد وإرادة وطموح. وهي مناسبة تستحق أن نتأمل فيها ما صنعته الإمارات في حياة ملايين البشر؛ كم إنسانًا وجد فيها فرصة غيّرت مسار حياته، وكم موهبة أتيحت لها مساحة لتزدهر، وكم فكرة تحولت إلى مشروع، وكم يداً أسهمت في البناء، وكم حكاية انتماء تجاوزت حدود الجنسية لتُكتب بلغة العمل والوفاء والعطاء.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون استحضار جهود الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه حكام الإمارات، الذين أرسوا دعائم الاتحاد، ووضعوا أسس الدولة الحديثة، وحوّلوا الرؤية إلى مؤسسات، والطموح إلى إنجازات، والإمكانات إلى مسيرة تنموية متواصلة. لقد قام هذا البناء على إرادة آمنت بأن الإنسان هو أساس التنمية وغايتها، وأن الاستثمار في قدراته ومعرفته هو الطريق إلى مستقبل أكثر ازدهارًا.
ومن ملامح التجربة الإماراتية قدرتها على الجمع بين الاعتزاز بالهوية الوطنية والانفتاح على الخبرات والكفاءات من مختلف أنحاء العالم. فبناء الوطن يبدأ بأبنائه، ويترسخ بجهودهم وإخلاصهم، كما يستفيد من خبرات المقيمين ومهاراتهم، ويفتح أمامهم مجالات للمشاركة والإبداع. وهذا لا ينتقص من دور أبناء الإمارات، بل يكشف جانبًا من قوة تجربتها؛ إذ تتكامل الجهود، وتتلاقى الخبرات، وتتعدد اللغات والثقافات، بينما تظل قيمة العطاء واحدة، لا يحددها جواز السفر، بل يقاس أثرها بما تضيفه إلى المجتمع.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتنامى فيه قدرات الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية الإنسان المبدع، بما يمتلكه من معرفة وخيال وقدرة على الابتكار وصناعة المعنى. فالتكنولوجيا، مهما بلغت إمكاناتها، تظل بحاجة إلى عقل يوجّهها، ورؤية تمنحها غاية، وقيم تجعل أثرها نافعًا للإنسان. ومن هنا تبرز أهمية المبادرات والجوائز التي تحتفي بالعقول المبدعة، وتمنح أصحاب الإنجازات تقديرًا يتجاوز حدود المكان الذي يعملون فيه؛ فحين تمنح بيئة ما الموهبة فرصة للظهور، فإنها لا تكرّم صاحب الإنجاز وحده، بل تبعث برسالة إلى كل من يمتلك فكرة أو معرفة أو قدرة على العطاء: هنا يمكن لموهبتك أن تجد طريقها، ولعملك أن يترك أثرًا.
وتقدم الإمارات نماذج متعددة لهذا الاهتمام، تتوزع بين الثقافة واللغة والعلوم والاستدامة والعمل المجتمعي. ففي المجال الثقافي، تحتفي جائزة الشيخ زايد للكتاب بالمؤلفين والمفكرين والمترجمين والناشرين، وتكرّم إسهامات معرفية وأدبية تثري الثقافة العربية والإنسانية. وتدعم جائزة محمد بن راشد للغة العربية المبادرات والجهود الرائدة في خدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها، فيما تحتفي جائزة البردة بالإبداع في الشعر والخط والزخرفة والفنون الإسلامية، وتؤكد أن التراث ليس ذاكرة محفوظة فحسب، بل مساحة متجددة للإبداع والتعبير.
وفي مجالات العلوم والاستدامة، تبرز جائزة زايد للاستدامة بوصفها منصة عالمية لتكريم الحلول المبتكرة التي تسهم في تحسين حياة الناس، وتواجه تحديات الصحة والغذاء والطاقة والمياه والعمل المناخي. أما في مجال الابتكار الحكومي والمجتمعي، فتأتي مبادرة الإمارات تبتكر لتشجع الأفكار والمشروعات التي تطور الخدمات، وتختبر حلولًا جديدة، وتحول الابتكار من مفهوم نظري إلى ممارسة تنعكس على جودة الحياة.
ولا ينحصر التقدير في الإنجازات العلمية والثقافية؛ فالعطاء الإنساني يجد مكانه أيضًا في مبادرات مثل صنّاع الأمل، التي تسلط الضوء على أصحاب المبادرات الإنسانية المؤثرة في حياة الآخرين، وجائزة أبوظبي، التي تكرّم أفرادًا قدموا إسهامات استثنائية في خدمة المجتمع. وهي نماذج تذكّرنا بأن قيمة الإنجاز لا تقاس بحجمه المادي وحده، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس، وبما يزرعه من أمل، وما يقدمه من نفع للمجتمع.
وتكشف هذه النماذج، على اختلاف مجالاتها وأهدافها، عن رسالة تتجاوز قيمة الجائزة نفسها: أن المعرفة تستحق التقدير، وأن الإبداع يستحق الرعاية، وأن العمل النافع للمجتمع يستحق أن يُروى ويُحتفى به. فالتكريم الحقيقي لا يقف عند لحظة تسلّم الجائزة، بل يمتد إلى ما تبعثه من إلهام في نفوس الآخرين، وما تفتحه من أبواب أمام مواهب جديدة، وما ترسخه من ثقافة تؤمن بأن لكل إنسان فرصة ليصنع فرقًا.
وهنا تكتمل دلالة الانتماء؛ فالوطن ليس فقط الأرض التي نحمل جنسيتها، بل أيضًا المكان الذي يمنحنا فرصة لننمو، ويحتضن أحلامنا، ويتيح لنا أن نكون أكثر قدرة على العطاء. وحين يجد الإنسان في وطن إقامته مساحة للإبداع والتقدير، فإنه لا يكتفي بالنجاح فيه، بل يتمنى له مزيدًا من التقدم، ويصبح جزءًا من حكايته، وشاهدًا على إنجازاته، وشريكًا في صناعة مستقبله.
في يوم العلم الإماراتي، نحتفي معاً بكل يد أسهمت في البناء، وكل عقل أضاء طريقًا جديدًا، وكل قلب أحب هذه الأرض بما منحته له من أمان وفرص وذكريات.
فبعض الأوطان تمنحك جنسية، وبعضها يمنحك فرصة، أما الأوطان التي تسكن القلب، فهي التي تمنحك ما هو أبعد من ذلك: إحساسًا بأن لك فيها حكاية، وأن لعطائك فيها قيمة، وأن مستقبلها يستحق أن تكون جزءًا منه. تلك هي الإمارات.
![]()
