تواصل منطقة الخليج تعزيز دورها في رسم ملامح مستقبل قطاع السلع الفاخرة العالمي مدفوعةً بقوة الطلب المحلي واستمرار تدفقات الاستثمار وتنامي انفتاحها على الأسواق العالمية وهي عوامل تسهم في إعادة تشكيل وجهة رؤوس الأموال وطبيعة العلاقة مع المستهلكين وآفاق النمو طويل الأمد للعلامات التجارية العالمية.
جاء ذلك خلال جلسة “الجغرافيا الجديدة للنمو”، التي نظمها منتدى دائرة قادة التجزئة العالمي بالتعاون مع سيلفريدجز في لندن، بمشاركة عدد من الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين المؤسسيين وكبار المحللين في القطاع. وناقشت الجلسة أبرز التحولات الهيكلية التي تعيد رسم خريطة الطلب على السلع الفاخرة، في ظل اختلاف مسارات الأسواق وتغير سلوكيات المستهلكين وتوجهات الاستثمار حول العالم.
وأظهرت المناقشات أن مركز الثقل في قطاع السلع الفاخرة يواصل التحول. ففي حين رسخت الولايات المتحدة مكانتها كأكبر سوق للسلع الفاخرة عالمياً، ودخلت الصين مرحلة أكثر تدريجاً في مسار التعافي، تبرز منطقة الخليج كأحد المحركات المهمة للنمو طويل الأمد في القطاع. وفي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، يعزز استمرار الاستثمار في قطاعات التجزئة الفاخرة والضيافة والسياحة والطيران والتجارة الرقمية من مكانة المنطقة في المشهد العالمي المتغير للسلع الفاخرة.
وقال بانوس ليناردوس، رئيس منتدى دائرة قادة التجزئة العالمي: “أصبحت فرص النمو أكثر تفاوتاً بين الأسواق والقطاعات والشركات، فيما تتجه الاستثمارات نحو مزيد من الانتقائية. وفي ظل هذا المشهد، تبرز أهمية فهم العوامل التي تدفع بعض الأسواق والقطاعات والشركات إلى تحقيق نمو متسارع، بينما تواجه أخرى تباطؤاً في مسارها. وتواصل منطقة الخليج تعزيز حضورها في هذا المشهد المتغير، وهو ما يعبّر عنه موضوع «مستقبل غير متكافئ»، الذي سنواصل مناقشة أبعاده خلال المنتدى في الرياض في فبراير المقبل”.
وأشارت بلومبرغ إنتليجنس إلى أن المملكة العربية السعودية استحوذت على نحو 93% من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2025، في مؤشر على التوسع المتسارع للاقتصاد الرقمي في المملكة. وفي الوقت نفسه، تواصل تجارة التجزئة عبر الإنترنت في دول مجلس التعاون الخليجي نموها بوتيرة تتجاوز المتوسطات العالمية، رغم انخفاض مستويات انتشارها نسبياً، ما يشير إلى إمكانات هيكلية كبيرة للنمو على المدى الطويل. وفي الإمارات، تواصل دبي إظهار قدرة لافتة على الحفاظ على قوة منظومتها للسلع الفاخرة، مدعومةً بعودة حركة السياحة الدولية وقوة قطاع التجزئة الفاخرة ومكانتها كواحدة من أبرز مراكز السفر العالمية.
وقالت ديبورا أيتكن، كبير محللي قطاع التجزئة في بلومبرغ إنتليجنس: “نواصل رصد نمو في مختلف أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كان هذا النمو سيتحقق عبر قنوات تختلف عما كان سائداً في السابق. ومن المرجح أن يستغرق تعافي السياحة وقتاً أطول، في حين تواصل الاستثمارات المحلية وتوظيف رؤوس الأموال الإقليمية نموهما”.
وأظهرت بيانات غلوبال بلو التي عُرضت خلال الجلسة أنه، على الرغم من تراجع أعداد المسافرين من منطقة الشرق الأوسط بأرقام مزدوجة خلال بعض فترات عام 2026، حافظ إنفاق الزوار الخليجيين من ذوي الملاءة المالية المرتفعة على مستويات قريبة من العام السابق. ويعكس ذلك تزايد تركّز الإنفاق على السلع الفاخرة بين المستهلكين الأكثر إنفاقاً في المنطقة.
وعلى مستوى أبرز وجهات السلع الفاخرة في أوروبا، ارتفعت حصة الزوار الأميركيين من ذوي الملاءة المالية المرتفعة من أقل من 10% تاريخياً إلى نحو 17%، فيما أصبح سلوكهم الشرائي يرتبط بصورة أكبر بأداء مؤشر S&P 500 مقارنة بتقلبات أسعار الصرف. وفي المقابل، يواصل المسافرون من البرازيل والمكسيك والأرجنتين زيادة حصتهم من الإنفاق على السلع الفاخرة المعفاة من الضرائب.
وقال ديريك هاردمان، الرئيس التنفيذي للعمليات الإقليمي في غلوبال بلو: “أصبح عدد المسافرين ذوي الإنفاق المرتفع أكثر تركّزاً، إلا أن متوسط الإنفاق يواصل الارتفاع. ويمثل 1% من المتسوقين اليوم 27% من إجمالي الإنفاق على السلع الفاخرة المعفاة من الضرائب”.
ومع تزايد تركّز الإنفاق بين المستهلكين ذوي الملاءة المالية المرتفعة، بدأت وجهات التسوق الفاخرة في إعادة النظر في تصميم المساحات والتجارب التي تقدمها، مع إعطاء أهمية أكبر للخدمات الشخصية وإدارة علاقات العملاء والضيافة والتجارب المصممة وفق احتياجات المتسوقين.
وقال أندريه مايدر، الرئيس التنفيذي لمجموعة سيلفريدجز: “لم تعد الفخامة تقتصر على شراء منتج، بل أصبحت تتمحور حول ابتكار لحظات تبقى في الذاكرة. ويقوم قطاع التجزئة اليوم على خلق السعادة. نريد أن يأتي الناس لخوض التجربة، حتى قبل أن يقرروا ما يرغبون في شرائه”.
واتفق المشاركون على أن الميزة التنافسية على المدى الطويل لن تعتمد فقط على التحول في المساحات والتجارب المادية، بل ستتطلب أيضاً مؤسسات تجمع بين التميز التشغيلي والإبداع والحرفية والقدرة المستمرة على الحفاظ على حضورها وأهميتها الثقافية.
كما شهدت الجلسة التنفيذية تقديم موضوع “مستقبل غير متكافئ”، وهو عنوان المنتدى السنوي لمنتدى دائرة قادة التجزئة 2027، المقرر عقده في الرياض يومي 1 و2 فبراير 2027.
![]()
