لا يزال جزء كبير من النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي يتمحور حول مخاوف فقدان الوظائف. غير أن الواقع داخل منظومة التوظيف في دولة الإمارات يبدو مختلفاً تماماً. فالتحول الجاري لا يتعلق باستبدال الأفراد، بل بإعادة تعريف آليات اكتشاف المواهب وتقييمها وتمكينها.
وقالت نيشا ناير، مديرة التوظيف في مجموعة إنوفيشنز: «مع دخولنا عام 2026، لم يعد سوق العمل في الإمارات قائماً على الاضطراب بقدر ما يرتكز على المواءمة.
فالأتمتة تعيد تشكيل عمليات التوظيف من خلال تعزيز السرعة والاتساق والموضوعية، بما يتيح للمؤسسات التركيز على ما هو الأهم في نهاية المطاف: القدرات البشرية». وأضافت: «القصة ليست صراعاً بين الآلات والبشر، بل هي تمكين الآلات للبشر من الأداء بمستويات أعلى».
وأوضحت ناير أن هذا التحول يعكس إعادة معايرة أوسع في كيفية تعامل أصحاب العمل مع النمو. فلم تعد استراتيجيات التوظيف بعد الجائحة قائمة على التوسع التفاعلي، بل أصبحت المؤسسات تبني فرقها بشكل مقصود، مع إعطاء الأولوية للوظائف التي تؤثر مباشرة في الإنتاجية والمرونة والقدرة التنافسية على المدى الطويل. وأضافت: «لا يزال الطلب قوياً في القطاعات المتماشية مع الأولويات الوطنية — التكنولوجيا، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والطاقة — إلا أن توقعات المواهب قد تطورت».
ورغم أن الخبرة التقنية تبقى عنصراً أساسياً، فإن أصحاب العمل يقدّرون بشكل متزايد القدرة على التكيف، والوعي التجاري، والكفاءة في الأداء ضمن بيئة تتسم بالتغير المستمر. وأصبحت قرارات التوظيف تركز بقدر اهتمامها على الإمكانات المستقبلية بقدر تركيزها على القدرات الحالية، ما يعزز حقيقة أن المرونة أصبحت سمة جوهرية لقابلية التوظيف.
وفي هذا السياق، يتمثل الدور العملي الأبرز للذكاء الاصطناعي في إدارة الحجم. وقالت ناير: «قد تستقطب وظيفة شاغرة واحدة مئات الطلبات، ما يخلق ضغطاً إدارياً قد يؤدي إلى إغفال مرشحين مؤهلين».
وأضافت: «يوفر الفرز المدعوم بالذكاء الاصطناعي هيكلاً منظماً من خلال تصفية الطلبات بناءً على المهارات ومدى الصلة، مع ضمان تقييم متسق. وهذا يعزز العدالة والكفاءة، إلا أن الأتمتة تعمل ضمن حدود واضحة؛ فهي تسرّع عملية إعداد القوائم المختصرة دون أن تحل محل الحكم البشري. ويظل التفسير الإنساني محورياً، لا سيما في سوق متعددة الثقافات مثل دولة الإمارات».
وأكدت ناير أن أسلوب التواصل، والانسجام الثقافي، وإمكانات القيادة تتطلب سياقاً لا تستطيع التكنولوجيا وحدها توفيره. ولا يزال مسؤولو التوظيف يشكلون القرارات النهائية، من خلال الموازنة بين الدقة الرقمية والبصيرة البشرية لضمان بقاء عملية التوظيف فعّالة وذات مغزى في آن واحد.
كما أدى الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية إلى جعل عمليات التوظيف أكثر تنظيماً. فقد أصبحت أنظمة تتبع المتقدمين، والتقييمات الإلكترونية، والمقابلات عبر الفيديو، مكونات قياسية في مراحل التقييم الأولية. وبالنسبة للمرشحين، يتطلب ذلك مستوى أعلى من الاحترافية الرقمية. إذ تكتسب وضوح السيرة الذاتية وارتباطها بالوظيفة وإبراز الإنجازات القابلة للقياس أهمية أكبر، لأن أنظمة التوظيف مصممة لمكافأة الدقة. ومع ذلك، لم تؤدِ الرقمنة إلى إلغاء البعد الإنساني، بل أرست إطاراً أكثر انضباطاً لتحديد القدرات الحقيقية.
وأشارت ناير إلى أن ما يميز المرشحين في هذه البيئة لا يقتصر على الطلاقة التقنية. «فعلى الرغم من أن المهارات المرتبطة بالوعي بالأتمتة، وإلمام البيانات، والأمن السيبراني، ومنصات الحوسبة السحابية، تظل ذات قيمة، فإن أصحاب العمل يولون القدر ذاته من الاهتمام لمهارات حل المشكلات، والتواصل، والقدرة على التكيف. كما أن مرونة التعلم — أي الاستعداد للتطور المستمر — تعد مؤشراً على القيمة طويلة الأجل في اقتصاد يتسم بالابتكار السريع».
وحذّرت ناير من أنه رغم هذه التطورات، لا تزال تحديات مألوفة تواجه المرشحين. فالتقديمات العامة غير المخصصة، والوصف غير الواضح للأثر المحقق، وضعف الاستعداد، تظل عوامل تقوّض فرص مهنيين أكفاء. وفي سوق تنافسية، تبقى الصلة بالوظيفة، والوضوح، وقوة الحضور الشخصي، مزايا حاسمة.
إن السردية الأوسع التي تفترض أن الأتمتة تقلّص من أهمية العنصر البشري تغفل حقيقة جوهرية: فكلما تم رقمنة المهام الروتينية، ازدادت قيمة الحكم البشري. ويعمل الذكاء الاصطناعي كمضاعف للإنتاجية، محرراً المهنيين للتركيز على الابتكار والتعاون واتخاذ القرارات المعقدة. فالمؤسسات لا تبحث عن أفراد ينافسون التكنولوجيا، بل عن أولئك القادرين على توظيفها بفعالية.
واختتمت ناير بالقول: «الذكاء الاصطناعي لا يغلق الأبواب في سوق العمل الإماراتي، بل يعيد تعريف كيفية فتحها. وبالنسبة لمن هم مستعدون للتكيف، يظل مستقبل العمل مرتكزاً بثبات على الإمكانات البشرية
![]()
