تبرز مدينة فيينا الساحرة بثقافتها العريقة وتجاربها المتنوعة التي تغمر الزوّار بنسيج من التاريخ والفن والموسيقى والعمارة والطبيعة الخلابة. إلا أن عام 2026 يشهد بروز جانب آخر من هوية المدينة، يتمثل في مشهد الطهي المتجدد في المدينة. فمن خلال حملة فيينا بايتس «Vienna Bites» الجديدة، تدعو العاصمة النمساوية المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي لاكتشاف جانب مختلف منها، في رحلة تتجاوز الصور النمطية للكتب التقليدية نحو مدينة نابضة بالحياة تمتلك مطاعم متنوعة ومبتكرة، تكرّم التقاليد وتحتفي بروح الأصالة.
غالباً ما يُختصر المطبخ الفييني في أشهر رموزه، مثل الشنيتزل والشترودل، ولا شك أن لهما مكانتهما. غير أن هذه الأطباق تشكّل جزءاً من تجربة أوسع وأكثر ثراءً. فمن 18 مطعم حائز على نجمة ميشلان، إلى أحياء «البيسلن» الدافئة (البيسترو النمساوي)، وصولاً إلى أكشاك النقانق وثقافة المقاهي المدرجة على قائمة اليونسكو، تقدّم فيينا مشهداً طه متكامل يعكس عمقها وتنوعها، ويرسّخ مكانتها كوجهة عالمية لعشّاق الطعام.
تعتمد هذه المدينة نهجاً مستقلاً في صياغة مشهد الطهي فيها، بعيداً عن اتباع الاتجاهات العالمية، مع تركيز واضح على إبراز هويتها الخاصة بثقة ووضوح. وتفتخر فيينا بتفرّدها، حيث يشكّل الابتكار جزءاً أصيلاً من تجربتها. وفي عام 2026، تتجلى هذه الهوية كمنظومة متكاملة تعكس عمق المدينة وتطوّرها، مقدّمة تجربة تتوجّه بشكل مباشر إلى مسافري دول مجلس التعاون الخليجي الباحثين عن آفاق جديدة وتجارب طعام متجددة.
مطاعم فيينا وجهة تجسد التقاليد والإبتكار
تحتضن فيينا مشهد طهي متنوع يضم نخبة من المطاعم الراقية، من بينها مطعم جلاسينغ ات ذا اماريوس الحاصل حديثاً على نجمة ميشلان، والذي يقدّم تجربة أنيقة تعكس روح الضيافة الفاخرة في المدينة. وفي أجواء راقية تتزيّن بأعمال فنية أصلية من مجموعة عائلة المالك، حيث يقدّم الشيف ألكسندرو سيمون رؤية معاصرة للمطبخ النمساوي، ويوازن ببراعة بين النكهات الكلاسيكية والتقنيات الحديثة. بينما يقدم مطعم هيرزيغ – «Herzig» الحائز على نجمة ميشلان، حيث يقدم الشيف سورين هيرزيغ تجربة طهي دقيقة تتسم بالابتكار والأصالة، مع اهتمام استثنائي بأدق التفاصيل. يقع المطعم بعيداً عن صخب وسط المدينة، في موقع هادئ يضفي على التجربة طابعاً خاصاً، ليشكّل وجهة تستحق الاكتشاف وتكافئ زوّارها بتجربة فريدة بكل المقاييس.
ويبرز هنا جانب مختلف، لا يقل أهمية عن مكانة فيينا في مشهد الطهي، في مطعم جموكيلر. ويقدم المطعم وجبة الـ«بيسل» المحبوبه في الحي الثالث والتي تعتبر جزءاً أصيلاً من المشهد الغذائي في المدينة منذ عام 1858، حيث يجسّد روح التقاليد النمساوية العريقة. حيث تعكس التصاميم الداخلية للمطعم وتهيّئ الأرضيات الخشبية الأصلية والألواح الدافئة أجواءً حميمة تبرز الطابع الكلاسيكي للمكان، ويقدّم قائمة غنية بالأطباق النمساوية التقليدية وأبرز الأطباق الفيينية. ومن بينها توست نخاع العظم مع المرق الساخن، وزلابية الميرمية، وبريوش كبد الإوز، في تجربة تعكس بساطة المطبخ المحلي وعمقه في آن واحد.
ثقافة المقاهي في فيينا
تتميّز فيينا بثقافة مقاهي متجذّرة تتجاوز كونها مجرد فضاء تقليدي أو تجربة عابرة. فهي جزء أصيل من إيقاع الحياة اليومية، ومساحة اجتماعية تنساب فيها اللحظات بهدوء، وتتعمّق فيها الحوارات، في انعكاس واضح لروح المدينة وثقافتها.
يتصدّر هذا المشهد مقهى فراونهوبر، أقدم مقهى في فيينا، الواقع داخل مبنى يعود إلى القرن الرابع عشر، والذي قدّم القهوة لأكثر من قرنين واستضاف عروضاً لموزارت وبيتهوفن. وفي المقابل، تعكس شركة جوناس رايندل كوفي روسترز الوجه المعاصر لثقافة القهوة، من خلال تحميصات صغيرة تُقدَّم في مساحات هادئة وبسيطة.
أما مقهى شوارزنبرغ ، الذي يعود تاريخه إلى عام 1861، فيجسّد الفخامة الفيينية الكلاسيكية، حيث لا تُقدَّم القهوة بمفردها، بل ترافقها المعجنات ووجبات الإفطار الغنية كجزء من طقس يومي متكامل.
ويمتد هذا التنوع إلى مقهى كاندل في الحي السابع الذي يقدّم لمسة مبتكرة قائمة على المطبخ النباتي، و ومقهى روزي بيزل الحائز على تقييم «بيب غورماند» والذي يدعم الطهي التقليدي للمنتجات النباتيه ويقدم مجموعة واسعة من المشروبات والبدائل الغير كحولية، إلى جانب مقهى وروزبار سنترالا في الحي العشرين المعروف بقوائمه الموسمية ونكهاته المستوحاة من أوروبا الوسطى والشرقية.
مدينة تتحد فيها الضيافة وفنون الطهي
مختلف جوانب الضيافة في المدينة. ففي فندق ماندارين أورينتال في فيينا، الواقع داخل مبنى بارز يعود إلى طراز الآرت نوفو في مطلع القرن العشرين، تتحوّل تجربة الطعام والشراب إلى جزء متكامل من إقامة قائمة على التصميم، تجمع بين أطباق بحرية راقية وثقافة كوكتيل مستوحاة من التأثيرات اليابانية.
وفي فصل جديد من هذا المشهد، يستعد قصر شوتيك لافتتاح أبوابه في مايو المقبل، ليعيد إحياء تحفة معمارية من طراز عصر النهضة الجديدة في القرن التاسع عشر. يقع القصر في الحي التاسع بالقرب من متحف سيغموند فرويد، ويضم 164 غرفة وجناحاً، إلى جانب طابق رئيسي تم ترميمه بعناية، وبار نهاري هادئ يحتضنه درج تاريخي يعكس طابع المكان.
فيينا بايتس، فيينا إنفيتس
بالنسبة للمسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي الباحثين عن تجارب ثقافية عميقة، تقدّم فيينا في عام 2026 مشهداً غنيّاً متعدد الطبقات، يجمع بين الهيبة والهوية، والرقي والدفء، في توازن يعكس روح المدينة وتحوّلاتها. ويتماشى ذلك مع تحوّل ملحوظ في سلوك السفر، حيث باتت الوجهات التي يمكن فهمها واستكشافها عبر تجاربها الحسية والثقافية تحظى باهتمام متزايد.
في هذا السياق، يشكّل الطعام مدخلاً أساسياً لاكتشاف المدينة؛ بوابة إلى عمارتها وأحيائها وحرفها وإيقاعها الاجتماعي. فوجبة في «بيسل» تقليدي تكشف ملامح التاريخ المحلي، وزيارة مقهى تعكس إرثاً فكرياً متجذّراً، فيما تروي قوائم التذوّق الموسمية حكايات الأرض والزراعة. وهكذا، لا يُعد المطبخ في فيينا مجرّد عنصر مكمّل للثقافة، بل تجسيداً حقيقياً لها.
![]()
