الجراحة ساهمت في علاج حالة مستعصية استمرت لنحو ثلاثين عاماً
الدكتور باراث باتيل يشدّد على أهمية طلب المساعدة الطبية في وقت مبكر منعاً لتأخر التشخيص وإطالة مدة المعاناة
أعلن مستشفى رأس الخيمة عن إجراء جراحة متقدمة لاستبدال مفصل كتف أحد المرضى بعد معاناة امتدت لنحو 30 عاماً، وأدت إلى فقدان تدريجي في الحركة حتى وصلت إلى 10% فقط من القدرة الوظيفية. وشكّل هذا التدخل الجراحي حلاً فعّالاً لالتهاب مفصل كتف تنكسي رافق كيث لوكين، المريض القادم من جنوب أفريقيا والبالغ من العمر 59 عاماً، ومنعه بشكل كبير من أداء أبسط الأنشطة اليومية.
وأمضى كيث سنوات طويلة متنقلاً بين أبرز المراكز الطبية حول العالم بهدف الحصول على علاج لحالته، حيث خضع لعدد كبير من جلسات العلاج الطبيعي وتعرّض مفصله لحقنات متكررة من المركبات الستيروئيدية. ورغم هذه التدخلات الطبية المتواصلة، استمرت حالته في التدهور تدريجياً بدون تحقيق أي تحسن مستدام أو تخفيف للألم.
ولم يتم التوصل إلى تشخيص دقيق لهذه الحالة إلا عند وصول المريض إلى مستشفى رأس الخيمة، حيث خضع تحت إشراف جرّاح العظام، الدكتور باراثباتيل، إلى فحوصات دقيقة باستعمال تقنيات متقدمة شملت الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب، والتي كشفت عن تدهور شديد في مفصل الكتف مع فقدان كامل للغضروف، مما أدى إلى احتكاك العظام ببعضها، وتسبب في تقييد حاد للحركة اليومية وإعاقة القدرة على أداء أبسط المهام الحياتية.
وبعد تقييم شامل للحالة، أوصى الدكتور باتيل بإجراء عملية تستهدف استبدال كامل لمفصل الكتف على الجانبين، وهي جراحة معقدة يتم خلالها استبدال المفصل التالف بزرعة صناعية مصممة لمحاكاة البنية التشريحية الطبيعية للكتف بدقة عالية. ويهدف هذا الإجراء إلى تخفيف الألم، واستعادة الحركة الطبيعية والوظيفية لمفصل الكتف قدر الإمكان.
وتم التخطيط للجراحة على مرحلتين، تبدأ الأولى بإجراء العملية للكتف بالجهة المسيطرة، على أن تُجرى العملية الثانية للكتف الأخرى بعد انتهاء مرحلةالتعافي وإعادة التأهيل.
وفي إطار تعليقه على تفاصيل الحالة، صرّح الدكتور باتيل: “تؤدي المراحل المتقدمة من التهاب مفصل الكتف التنكسي إلى تآكل الغضروف بالكامل، وهي مرحلة لا يمكن للحلول غير الجراحية علاجها بفعّالية. وقد أظهر فحص المريض أن عضلات الكفة المدورة ما تزال سليمة، لذلك شكّلت عملية استبدال المفصل الحل الأمثل. وجاء اختيارنا لهذا النهج لأنه يوفّر مدى حركة أفضل، ويضمن نتائج أكثر استدامةً واستقراراً من أساليب العلاج الأخرى. كما أن الحفاظ على البنية التشريحية للمفصل يتيح إمكانية الاستبدال العكسي لمفصل الكتف عند الحاجة إلى إجراء أي جراحة تصحيحية مستقبلاً”.
وأضاف باتيل: “تمثّل هذه الجراحة إحدى الإنجازات الطبية المهمة على مستوى المنطقة، كما تعكس مستوى التقدم الطبي المتميز في الإمارات الشمالية، إذ يمكن لمستشفى رأس الخيمة أن يفخر بنجاحه في إجراء جراحة نادرة تُعدّ الأولى من نوعها على الصعيد المحلي، إضافة إلى مساهمتها في تغيير مجرى حياة أحد المرضى الذين وجودوا في دولة الإمارات ملاذاً للشفاء. ويؤكّد هذاقدرتنا على توفير رعاية متقدمة في مجال جراحة العظام تضاهي أعلى المعايير العالمية، وتمكّن المرضى من تلقي العلاج داخل الدولة بدون الحاجة إلى السفر“.
كما أشار الدكتور باتيل إلى ظاهرة متنامية في المنطقة، تتمثل في ازدياد حالات التهاب المفاصل لدى الجيل الشاب، ويقول في هذا الصدد: “رغم انحصار معظم حالات الالتهاب المفصلي في الفئة التي تتراوح أعمارها من 55 إلى 60 عاماً، إلّا أننا نرصد بصورة متزايدة إصابات متنوعة لدى مرضى أصغر سناً، نتيجة قلة الحركة، وتراجع النشاط البدني، والعوامل المرتبطة بالسمنة. وفي الوقت ذاته، لا يزال الكثيرون يتعاملون مع الألم كأمر طبيعي، أو يؤخّرون طلب المساعدة الطبية بسبب الخوف أو الاعتقاد الخاطئ بأن الجراحة هي الحل الوحيد“.
وأشار إلى أن علاج أمراض العظام يسير دائماً وفق نهجٍ منتظم، موضحاً: “لا نباشر بالإجراء الجراحي على الإطلاق، إذ يتم التعامل بداية مع حالات المرضى بالدواء والعلاج الطبيعي والحقن، ولا يُنصح بالجراحة إلا حين تفشل هذه الخيارات أو حين يكون المرض في مرحلة متقدمة.”
وبالعودة إلى تجربته، يتذكر المريض بأن سنوات من التعايش مع الألم باتت تدريجياً واقعه المألوف، إلى أن أدرك أنه غير مضطر على التحمل.
وقال: “زرت أطباء كثيرين على مدار السنوات، لكن أسلوب الدكتور باراث في شرح كل شيء كان مختلفاً تماماً. كان محترفاً ومتعاطفاً وبالغ الوضوح، وشعرت للمرة الأولى بثقة حقيقية بقدرتي على استعادة حياتي. لقد أعجبت حقاً ببراعته وأسلوبه الهادئ وطريقته في التعامل، وهو ما منحني مستوى من الطمأنينة لم أختبره مسبقاً.”
وبعد العملية الأولى، تجاوز تعافيه التوقعات، حيث تم إجراء الجراحة لاحقاً على الكتف الثانية إثر إعادة التأهيل الناجحة للكتف المسيطرة.
وكانت النتائج مذهلة ومحسنة لجودة حياة المريض، الذي استعاد، من نطاقحركي لا يتجاوز 10%، ما يقارب 90% من نطاق الحركة الكامل، مع استمرار التحسن عبر جلسات العلاج الطبيعي.
وأضاف: “أشعر بسعادة غامرة لاسترجاع قدرتي على تحريك يديّ مجدداً. أتمنى لو تعرّفت على هذا العلاج مبكراً، لكنت تجنّبت معاناة استمرت لسنوات. وأنا ممتن جداً للدكتور باراث والفريق الطبي في مستشفى رأس الخيمة، لقد منحوني فرصة جديدة للحياة وساعدوني على تدارك ما فاتني خلال السنوات الماضية. كانت أبسط المهام، كرفع ذراعي أو الإمساك بكوب، تشكّل معاناة كبيرة لي. ولكن أستطيع اليوم القيام بذلك بكل سهولة. أتمنى حقاً لو اكتشفت هذا العلاج منذ سنوات طويلة ووفرت عناء تحمّل الألم”.
وعلى الرغم من أن عملية التعافي التام لم تنتهِ بعد، إلا أن هذا التحول أعاد الثقة والاستقلالية للمريض وعزز جودة الحياة التي فقدها لعقود.
وأكد الدكتور باتيل أن هذه الحالات أكثر انتشاراً مما يعتقده الكثيرون، وذلك بسبب غياب الوعي بالعلاجات وتأخر التشخيص في أغلب الأوقات. وقال: “يعتقد الكثيرون أن ألم الكتف أمرٌ طبيعي، ولكن عندما يعيق الألم ممارسة الأنشطة اليومية مثل ارتداء الملابس، أو رفع الذراع، أو القيادة، فمن المهم استشارة الأخصائي. إن التشخيص المبكر يحسّن النتائج بشكل ملموس”.
كما أشار إلى أن جراحة استبدال مفصل الكتف، على الرغم من أنها أقل شيوعاً من استبدال مفصل الركبة أو الورك، إلا أنها تشكّل حلاً فعالاً للمرضى ممن يعانون من تآكل المفاصل المتقدم، ويزداد انتشارها بالمنطقة.
وحذّر الدكتور من مغبة اعتبار الألم أمراً طبيعياً. وقال: “لا ينبغي أن يعتاد الشخص على الشعور بالألم. يستحق المرضى عيش حياتهم بكل ثقة، وأن يكونوا قادرين على الحركة دون ألم. هناك علاجات متاحة، وينبغي على المريض الاطلاع على ما يناسبه منها”.
وختم المريض حديثه بالقول: “أطلب من كل مريض عدم تجاهل الألم، لست مضطراً للتعايش معه. لقد تحملت الألم لسنوات، ولكني كنت مخطئاً”.
![]()

