بقلم بدر راشد البلوشي، رئيس مجلس إدارة شركة الخليج العربي للعقارات
تكشف المؤشرات السعريّة للقطاع العقاري في دبي خلال عام 2025 عن مرحلة مختلفة في مسار السوق، مرحلة لا يمكن توصيفها بمجرد «نمو» تقليدي، بل بدورة نمو قياسي أكثر نضجاً تقودها عوامل هيكلية واضحة، على رأسها الطلب الحقيقي، وتنوع المستثمرين، وتحول العقار إلى أصل طويل الأمد ضمن محافظ استثمارية عالمية.
وإن ارتفاع متوسط أسعار الفلل بنسبة 206 % مقارنة بمستويات ما بعد الجائحة، وتجاوزها ذروة عام 2014 بنسبة 86 %، لا يعكس فقط قوة الطلب، بل يشير إلى تغير نوعي في طبيعة المشترين. فالمستثمر اليوم لم يعد يبحث عن مكاسب سريعة بقدر ما يركز على جودة الأصل، والموقع، والاستقرار طويل الأمد، وهي عوامل باتت تميّز السوق العقاري في دبي عن العديد من الأسواق العالمية.
وفي المقابل، فإن تجاوز أسعار الشقق ذروة عام 2014 للمرة الأولى، رغم تباطؤ وتيرة النمو مقارنة بالفلل، يحمل دلالة مهمة على توازن السوق. فالنمو السنوي البالغ 14.8 %، إلى جانب الارتفاع الشهري المستمر، يعكس طلباً مستقراً مدعوماً بعوامل ديموغرافية واقتصادية وتنوعاً صحياً في ديناميكيات العرض والطلب.
وتؤكد بيانات «فاليوسترات» أن المناطق الفاخرة مثل نخلة جميرا وبرج خليفة لا تزال تتصدر المشهد السعري، مع تسجيل أسعار قياسية للقدم المربعة، ما يعكس مكانة دبي كوجهة عالمية للعقار الفاخر. وفي الوقت ذاته، تبرز مناطق متوسطة كوجهات جاذبة للنمو، مدعومة بأسعار أكثر تنافسية، وبنية تحتية متكاملة، ما يعزز من عمق السوق واتساع قاعدته.
واللافت في هذه الدورة هو حجم الصفقات العقارية النوعية، حيث سُجّلت عشرات الصفقات التي تجاوزت قيمتها 30 و50 مليون درهم، موزعة على مناطق مختلفة، ما يشير إلى انتشار الطلب الفاخر وعدم تمركزه في نطاق جغرافي ضيق. هذا النمط من الطلب يجسّد ثقة عالية في السوق، وفي البيئة التنظيمية، وفي القدرة على الحفاظ على القيمة بمرور الوقت.
وفي هذا السياق، يبرز دور المطورين الذين يتعاملون مع العقار باعتباره مكوّناً أساسياً في منظومة حضرية واقتصادية متكاملة، وليس مجرد منتج للبيع. فمرحلة النضج التي بلغها السوق تفرض على جميع الفاعلين التركيز على الجودة، والاستدامة، وتجربة المستخدمين، كعناصر حاسمة في نجاح أي مشروع.
وبينما تستمر دبي في تعزيز مكانتها كمركز عالمي للأعمال والعيش، يبدو أن القطاع العقاري دخل مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي ليس سرعة النمو، بل استدامته. وهي معادلة تعكس تحوّل الإمارة من سوق ناشئة إلى سوق مرجعية في المشهد العقاري العالمي.
![]()
