لم تعد إجازة الصيف التي يفصل خلالها الناس عن ضغوط عملهم كالسابق؛ إذ أصبحت، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فرصة لاستعراض النفس بتوثيق اللحظات عبر الصور والفيديوهات، الأمر الذي تحول إلى “ساحة منافسة”، ما أدى إلى استنزاف نفسية آخرين يشاهدون في صمت، وقد تولّد لديهم “الخوف من فوات الأشياء”.
في ظل ما يعيشه البعض من شعور بالغيرة والاكتئاب من الأصدقاء الذين يسافرون إلى الأماكن الباهظة ويشاركون الصور المبهرة، والمقارنة غير العادلة، هنا لا بد من معرفة أسباب تلك الأحاسيس، ومتى تصبح مؤشرًا خطيرًا يتطلب تدخل العلاج النفسي.
لماذا يشعر الفرد باكتئاب عند رؤية صور الأصدقاء في الساحل؟
قالت استشاري الصحة النفسية، الدكتورة إيمان عبد الله، إن التفسير النفسي للشعور بالضيق أو الاكتئاب المؤقت، والغيرة عند رؤية صور الأصدقاء في الساحل، يعود إلى مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تبالغ في تعظيم الموقف، وهو في الواقع يكون عاديًا.
وأضافت إيمان عبد الله لـ”تليجراف مصر”، أننا نقع هنا في “المقارنة الاجتماعية” التي تجعل الفرد يعتقد أنهم يعيشون في بذخ ونعيم ليس له أول من آخر، متابعة أن المشكلة هنا أنه يرى النسخة المنتقاة بعناية لحياة الناس، أو التي فيها شق تجميلي، مثل الصور أو الفيديوهات المعدلة بـ”فلتر”، أو المناظر التي يتم التعديل على خلفيتها.

وأشارت عبد الله إلى أن تلك النسخة المنتقاة من حياة الناس تكون أحيانًا حياة مزيفة، وعندما يقارنها الفرد بكل تفاصيل حياته من الضغوط، والمسؤوليات، والنكد، والمشاكل، والهموم، هنا ينشأ شعور مزيف بأن الناس كلها سعداء ومرتاحون، فيما عدا “هو”.
الخوف من فوات الأشياء.. ألم نفسي يُستثار
ولفتت استشاري الصحة النفسية إلى أن رؤية الفرد للآخرين وهم يستمتعون بالشواطئ والمناظر الخلابة وغيرها من الأمور، تثير نفسيًا ما يعرف بـ”الخوف من فوات الأشياء”؛ فيبدأ الفرد بالحديث مع نفسه قائلًا: “أنا كده مش هلحق أعمل زيهم – ما عنديش وقت – ما عنديش فلوس”، وهنا يشعر أنه يفقد شيئًا مهمًا في حياته، حتى إذا لم يكن لديه رغبة في الذهاب إلى تلك الأماكن.
الغيرة هي الجزء “الأقوى”.. كيف تؤثر على العلاقة بالأصدقاء؟
وتطرقت استشاري الصحة النفسية إلى أن الجزء الأقوى هو الغيرة من مكانة الشخص؛ إذ يظن الفرد أن ذلك الشخص لديه شعور بالحرية، وكذلك حب الناس له، أو جماله، وكذلك استمتاعه وراحته، فالعقل هنا يترجم هذا الاحتياج إلى غيرة مما بين أيدي الناس.
أما بالنسبة للكيفية التي تؤثر بها مشاعر الغيرة والضيق على علاقة الشخص بأصدقائه والمقربين، شرحت الاستشارية أن الشخص يبدأ في تجاهل الرسائل والصور، وكذلك يقلل من قيمة الناس، والحديث بشكل سلبي عنهم، كما يمكن أن يقلل التواصل مع الأصدقاء، لافتة إلى أن المشكلة ليست في الصديق، ولكن في الألم الذي يستيقظ لديه.

لماذا يتحول الصيف من فترة استرخاء إلى ساحة منافسة؟
وأكملت استشاري الصحة النفسية حديثها قائلة: “الصيف اتحول من فترة للراحة والاسترخاء إلى ساحة للمنافسة وساحة للاستعراض، وأصبح يمثل ضغوطًا على الفرد والمجتمع؛ لأن السوشيال ميديا غيرت مفهوم الإجازة، فقديمًا كانت الصور يتم التقاطها لتُحفظ داخل الألبوم العائلي، وليست عبر صفحات التواصل الاجتماعي وما يصاحبها من إعجابات وتعليقات”.
وتابعت الدكتورة إيمان أن الشخص الذي يقوم بذلك يشعر بأنه مطالب بإثبات ذاته، من نزهات وإنفاق، وكأنه يحتاج إلى إمضاء بصمة دخول الصيف كتلك التي في العمل.
ماذا تفعل صور الساحل بالفرد؟
وبحسب الدكتورة إيمان، فإن معظم الناس يتولد لديها ضغط في أن تكون سعيدة وتقضي وقتًا جيدًا، وهنا تحدث نتائج غير مرضية، إذ ينخفض الرضا عن الحياة، كما يتولد شعور دائم بأنه ينقصه شيء، فضلًا عن استنزاف راحته النفسية والمادية، وربط قيمته بمظهر حياته، وصوره، وفيديوهاته، وليست جودتها الحقيقية.
متى يصبح الشعور بالدونية أو الاكتئاب مؤشرًا خطيرًا؟
لفتت استشاري الصحة النفسية إلى أنه إذا كان شعور الاكتئاب أو الدونية يختفي بعد ساعات أو أيام، فهو غالبًا استجابة طبيعية للمقارنة التي وضع الفرد فيها نفسه، أما إذا استمر، مثلًا، كـ”حزن مستمر”، ويصحبه اضطرابات في النوم والطعام، سواء بالزيادة أو بالنقصان، مع فقدان الطاقة، ووخم، وكسل شديد جدًا، فضلًا عن الانسحاب من العلاقات الاجتماعية، هنا يتولد لديه انخفاض في تقدير الذات بشكل واضح جدًا، وفقدان الاستمتاع بالحياة، وتلك أهم نقطة.
وتابعت الاستشارية النفسية قائلة: “هنا أنت دخلت في اضطراب اكتئابي أو أزمة نفسية تستحق إنك تيجي العيادة نقيم ونشخص ونعمل لك طبعًا خطة علاجية”.

الساحل ليس السبب.. الفرد أسير لما يملكه الآخرون
وأكدت استشاري الصحة النفسية أن الاكتئاب ليس السبب، بل السبب دائمًا بداخلنا؛ إذ نركز على ما يملكه الناس وما ينقصنا نحن، فالمشكلة في الطريقة التي يفسر بها الفرد ما يراه، فكلما بنى قيمته على المقارنة، أصبح أسيرًا لما يملكه الآخرون، مما يوقعه في “بؤر نفسية رهيبة”، ويفقده العلاقات الحقيقية السوية، مضيفة: “علم النفس يرى أن الإنسان لا يتألم من الحدث نفسه، وإنما من المعنى الذي يعطيه لهذا الحدث”.
![]()
