بعد غياب 12 عاماً عن إحياء الحفلات الفنية في لبنان، عاد الفنان المصري عمرو دياب إلى قلب العاصمة بيروت، ليقدِّمَ حفلاً فنياً جماهيرياً مكتملَ العدد، في الواجهة البحرية لبيروت، التي غصّت بعشاق ومحبي “الهضبة”، حضروا بالآلاف فرحين مهلّلين بعودة الحياة إلى مدينتهم، وبعودة دياب، حيث ردّدوا معه أغنيته “شوّقنا أكتر شوّقنا”.
فور اعتلائه المسرح عَلَتْ صيحات الحضور ترحيباً وفرحاً، فردَّ معرباً عن اشتياقه للّقاء قائلاً: “اي بقا …أهل لبنان وحشتوني جداً. مش عارف أقول إيه.. غيبة طويلة عن بلد بحبها، وانتو عارفين، بشكر كل من ساهم في حضوري لأشوف أحلى جمهور في حياتي”.
ولبّى الحضور طلب منظمي الحفل بارتداء الزي الأبيض، لتوجيه رسالة أمل وحب وفرح، بعد الألم والحزن، بأن بيروت لا تموت وتنهض كطائر فينيق، بعدما اتشحت بالسواد منذ ثلاث سنوات في انفجار مرفأ بيروت.
وصل عمرو دياب إلى مطار رفيق الحريري الدولي بطائرة خاصة، قبل موعد الحفل بساعات قليلة، وكان في استقباله في صالون الشرف وزير السياحة وليد نصار، الذي قدّم له درعاً تكريمياً، وتوجّهَ بعدها إلى الحفل الذي قدم فيه باقة منوعة من أغانيه القديمة والجديدة، مشعلاً حماسة الحضور الذي قُدّر بنحو 16 ألفاً هتفوا باسمه “الهضبة”، ورفعوا صوره، واستمتعوا بنجمهم الذي اشتاقوا إليه، وسط إجراءات أمنية مشددة من قبل عناصر الجيش اللبناني، وتدابير سير مرورية خاصة اتخذتها قوى الأمن الداخلي، من بينها قطع حركة المرور على بعض الطرقات، وإغلاق تحويلات.
واختتم الحفل بالأضواء الملونة والمفرقعات النارية التي أضاءت سماء العاصمة، وسط موجة من التصفيق الحار.
وأفيد أن النجم المصري تقاضى على حفلته مبلغ 750 ألف دولار، وتراوحت قيمة البطاقات بين 60 و90 و500 دولار، وصولاً إلى 1000.
غير أن الحفل لم يمر مرور الكرام، إذ سبقه وأعقبه استياء إعلامي بسبب شروط تغطية الحفل، إذ طُلب من الصحافيين قبل حضورهم الحفل التوقيع على تعهد ينص على التزامهم بعدم نشر أي تقييم سلبي، أو انتقاد للحفل، أو لعمرو دياب نفسه، وعدم التصوير، أو إجراء مقابلات مع النجم المصري. وقد اعتُبر هذا الأمر سابقة في الحفلات الغنائية، وانتهاكاً لحرية الصحافة، لكونه يحدّ من تغطيتهم الصحافية، ويقيّد دورهم في نقل الأخبار بحيادية وموضوعية شاملة للحدث. وعليه، فقد امتنع عددٌ كبير من الزملاء الإعلاميين عن التوقيع على التعهد، بل قاطع الكثيرون حضور الحفل، تضامنًا مع حرية الصحافة، واحتجاجًا على هذه الإجراءات المفروضة عليهم.
وفي تعبير عن هذا الاستياء، وجّه العديد من الصحافيين ووسائل الإعلام انتقادات للمنظمين ولعمرو دياب، وكان لافتاً ما كتبه موقع “لبنانون 24″، التابع لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، حيث شنّ هجوماً لاذعاً تحت عنوان: “عمرو دياب يسقط على مسرح لبنان.. جبالنا لا تعرف الهضبات”.
وأصدر نادي الصحافة بياناً جاء فيه: “”فوجىء الوسط الإعلامي في لبنان بأن منظمي حفل الفنان عمرو دياب وضعوا شروطاً على الصحافيين الذين كانوا يرغبون بتغطية حفلته في بيروت أقل ما يقال فيها إنها تتنافى مع حرية الرأي والتعبير التي نناضل من أجل بقائها، كما أنها تضرب عرض الحائط الدستور والقوانين اللبنانية التي تكرّس حرية التعبير، ولذلك نطالب باعتذار علني من الفنان عمرو دياب، ومن منظمي الحفل للصحافة اللبنانية، ونطالب وزير الإعلام زياد المكاري باتخاذ موقف مما حصل، منعاً لتكرار هكذا ممارسات لا تمت إلى الثقافة اللبنانية بصلة”.
وأضاف البيان: “إن نادي الصحافة يؤكد أن كل الإعلام اللبناني ملتزم وداعم للسياحة في لبنان، ويعمل على تعزيز موقع لبنان السياحي، وعلى إبراز ما يقوم به قطاع السياحة، باعتباره المتنفس الوحيد للبلد اقتصادياً واجتماعياً ومعيشياً، وهو يدعو الزملاء الصحافيين ووسائل الإعلام إلى مقاطعة أي نشاط سياحي يفرض شروطاً تحدّ من حرية الرأي والتعبير”.
وعبّرت الإعلامية رابعة الزيات عن استيائها من هذه الشروط الموضوعة على الإعلاميين، ونشرت نص التعهد عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، وكتبت: “مما لا شكّ فيه أن عمرو دياب فنان كبير وجماهيري، لكن أن يوجّه دعوات مشروطة للصحفيين والصحفيات فهذا أمر مهين وغير مقبول”، وسألت: “هل تستطيع أيها الفنان المحترم أن تضع هذه الشروط في أي بلد آخر؟ في مثل شعبي يقول: قال يا فرعون مين فرعنك؟ ما لقيت حدا يردني”.
وسخرت الإعلامية والكاتبة جوزفين حبشي من “الهضبة”، وكتبت: “بوطن جبال هيمالايا الفن، أمثال فيروز وصباح ووديع الصافي والرحابنة، صاروا الوديان والهضبات بدن يتفلسفوا علينا. مش الحق على عمرو دياب، الحق على أشباه الصحافة اللي قبلوا يمضوا تعهّد قمع، مش تغطية حفلة”.
وأضافت: “بيروت مش ناطرة عمرو دياب لتوقف على إجريها، بيروت طول عمرها هي اللي بتوقّف أهم مطربي العالم العربي على إجرين الشهرة. خلصنا بقى، صار وقت كل واحد يعرف حجمو، ويوقف عند حدّو”، وختمت: “عمرو ما ينحضر. صحافة لبنان حرة”.
وأعلن الإعلامي إيلي مرعب مقاطعته حضور الحفل: “لحفل عمرو دياب مجبورين نلبس أبيض. ممنوع الصحافة تنتقد. ممنوع الصحافة تعمل مقابلات. مسكرين بعض شوارع بيروت. أكثر من 15 ألف شخص. أكتر من 500 ألف دولار أجرة”.
وسخر علي مرتضى من الشروط الموضوعة:” عمرو دياب مفكّر حالو عامل حفلة بكوريا الشمالية! قبض 500 ألف دولار حق الحفلة، ومش فارقة معو أنو في دعوى قضائية بحقه في المحاكم اللبنانية، وقرر ما يعطي الناس حقها اللي ناكرو صرلو فترة! وبدو الصحافيين يحكوا إيجابياً عن الحفلة، أو يسكتوا وما يحكوا! لو ببلد بيحترم حالو كان بيتوقّف ليدفع حقوق الناس، ويُمنع من إجبار الصحافيين على التوقيع على هذا التعهد التافه! نحن ببلد حر يا فنان! عيب!”.
وكتب هادي مراد: “نقدّر الفن لأنه خُلق وإنسانية، والمهم الأهم الفن حرية. سقطة كبيرة للهضبة الذي يأتي إلى لبنان على شكل وادي ومستنقع من الذل والانحدار والتنكيل بالإعلاميين والصحافيين”. وتوجّه إلى النجم المصري بالقول: “يا عمرو أنت لا تعرف عن هذا البلد أن عدد شهدائه الصحافيين الذين ماتوا لقول كلمتهم يفوق مكانتك في العالم العربي. فكيف نسكت على جبر الصحافيين إمضاء تعهدات تشبه الجبهات القمعية المتطرفة”. وختم: “هذا القمع لا يليق من فنان يأتي إلينا من أم الدنيا وأم الثورات وأم الحريات مصر الحبيبة. بالفعل يا عمرو، وعلى رأي إخواننا المصريين: اللي اختشوا ماتوا. عمرو ما يرجع”.
![]()
