بدأ العد التنازلي لشهر رمضان. ففي حال تشعر بالقلق بشأن إدارة مستويات الطاقة والحفاظ على التركيز خلال ساعات الصيام الطويلة ومتابعة تحقيق أهدافك الصحية، لن تتحمل العبء بمفردك، إذ عليك معرفة أن السر وراء شهر رمضان مليء بالروحانية والحيوية الجسدية لا يقتصر على ما تقوم به خلال الشهر المبارك وحسب، بل يكمن أيضاً في كيفية إعداد جسمك خلال الأسابيع التي تسبق قدومه.
يتمتع جسمك بقدرة كبيرة على التكيف، ولكن التغييرات المفاجئة والجذرية في أنماط الطعام قد تؤدي إلى الكثير من المشكلات، بدءاً من الإرهاق الشديد وصولاً إلى اضطرابات الجهاز الهضمي. وعندما تنتقل بشكل مفاجئ من مواعيد الوجبات المنتظمة إلى فترات صيام طويلة، يدخل التمثيل الغذائي في حالة صدمة، مما يشمل صعوبة في تنظيم مستويات السكر في الدم وزيادة حالات الانخفاض المفاجئ للطاقة.
فكّر في الاستعدادت قبل شهر رمضان كأنه تدريب لماراثون، بحيث لن تشارك في السباق من دون أن تهيئ جسمك مسبقاً، أليس كذلك؟ ينطبق المبدأ نفسه هنا. فالاستعداد الغذائي الاستراتيجي الآن قد يصنع الفرق بين قضاء شهر رمضان بروح من النشاط والحيوية أو أن تكتفي بمجرد المرور به بصعوبة.
أسرار الحفاظ على الترطيب التي قد تفلت من نظرك
لنتحدث عن المشكلة الكبيرة التي لا أحد يتطرق إليها: الجفاف هو العامل الخفي الذي يضر بصحتك في شهر رمضان. يركز معظم الناس على إعداد الطعام وحسب، في حين يتجاهلون تماماً عاداتهم المتعلقة بالترطيب. إليك ما يوقظك من غفلتك. في حال كنت تعتمد حالياً على القهوة لتتمكن من القيام بأنشطتك وتكاد لا تشرب الماء طوال اليوم، فأنت تعرّض نفسك لصداع شديد وإرهاق بمجرد بدء الصيام. يحتاج جسمك إلى وقت لإعادة ضبط أنماط الترطيب لديه.
ابدأ في زيادة كمية المياه التي تتناولها الآن. واجعل هدفك هو الحرص على شرب ما لا يقل عن لترين يومياً، على أن يتم شربها بشكل منتظم على مدار اليوم بدلاً من شربها دفعة واحدة. وتعدّ مشروبات الشاي العشبي جزءاً من هذا الهدف. أضف النعناع الطازج أو الليمون أو الخيار إلى الماء لجعل الترطيب أكثر جاذبية. واعتبر هذا المنقوع أمراً أساسياً لا يمكن التنازل عنه؛ فبفضل هذا الأساس، تتكامل بقية خطواتك. وستكون كليتاك وبشرتك ومستويات طاقتك ممنتة لك على ذلك.
تخلّص من الأطعمة المصنّعة
وفقاً للاتحاد الدولي للسكري، يعاني حوالي 20.7% من البالغين (الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و79 سنة) في الإمارات العربية المتحدة من مرض السكري، بالإضافة إلى الكثير من الأشخاص الذين يعانون من حالات ما قبل السكري. لا يمكن إنكار الصلة بين الأطعمة فائقة التصنيع واختلال وظائف التمثيل الغذائي، وقد تؤدي أنماط الطعام المتغيرة خلال شهر رمضان إلى تفاقم عدم استقرار مستويات السكر في الدم في حال كان نظامك الغذائي الأساسي سيئاً.
هذه هي فرصتك لإعادة ضبط نظامك الغذائي. اقضِ الأسابيع القليلة القادمة في التخلّص بشكل منهجي من الأطعمة فائقة التصنيع من خزانة مطبخك واستبدلها بأطعمة كاملة وصحية. أما المعكرونة سريعة التحضير والوجبات المجمدة المليئة بالصوديوم والبسكويت المليء بالسكريات المكررة تعمل بشكل مباشر ضد أهدافك الصحية والمتعلقة بالرفاهية خلال شهر رمضان.
واحرص على تخزين العدس والحمص والبرغل والكسكس التي توفر طاقة مستدامة وتساعد على استقرار مستويات السكر في الدم. وتُحرر هذه الكربوهيدرات المعقدة الطاقة ببطء، مما يمنع التقلبات الحادة في مستوى السكر في الدم التي تجعلك تشعر بالارتعاش وعدم التركيز أثناء ساعات الصيام.
وفكّر في استبدال زيوت الطهي المكررة ببدائل عضوية معصورة على البارد تدعم جسمك بدلاً من إثارة التهاباته، وذلك من خلال تخزين زيت الزيتون للطهي والتتبيلات، وزيت جوز الهند للطهي على حرارة عالية، وزيت السمن المصنوع من حليب A2 للوصفات التقليدية التي تتطلب نكهة غنية وأصيلة. فكلّ خطوة صغيرة في تحسين نظامك الغذائي تحدث فرقاً كبيراً مع مرور الوقت.
استراتيجية البروتين للحصول على طاقة مستدامة
يعدّ أحد أكبر الأخطاء التي يرتكبها الناس خلال شهر رمضان الإفراط في تناول الكربوهيدرات في وجبتَيْ الإفطار والسحور مع إهمال تناول كمية كافية من البروتين، إذ يشكّل هذا الأخير عنصراً ضرورياً للحفاظ على الكتلة العضلية ودعم وظيفة المناعة وتوفير الشعور بالشبع المستدام خلال ساعات الصيام. ويمكنك اختيار تناول فخذ لحم الضأن و مكعبات اللحم البقري و الدجاج والسلمون للحصول على خيارات غنية بأوميغا 3 التي تدعم وظائف الدماغ وتقلل الالتهابات. كما يمكنك أيضاً تناول المكسرات والبذور وزبدة المكسرات التي توفر بروتينات نباتية إلى جانب دهون صحية تمنحك الشعور بالشبع. ويمتاز كلّ من اللوز والجوز وبذور اليقطين بقيمة خاصة لمحتواهم من المغنيسيوم الذي يدعم إنتاج الطاقة على مستوى الخلايا.
واحرص على إعداد وجبات تجمع بين البروتين والكربوهيدرات المعقدة والدهون الصحية. يبطئ هذا المزيج الثلاثي عملية الهضم ويوفر ساعات من الطاقة المستدامة بدلاً من الارتفاع المؤقت والانخفاض المفاجئ للطاقة الذي تسببه الوجبات المليئة بالكربوهيدرات وحدها. فكّر في الدجاج المشوي مع الكينوا والخضروات المحمصة المُتبلة بزيت الزيتون أو حساء العدس الشهي الغني بمرق العظام والمُزين برشة من الطحينة. فتُدرِّب هذه التركيبات جسمك على استقلاب الوجبات المتوازنة بكفاءة، وهي مهارة تصبح لا تُقدّر بثمن خلال شهر رمضان.
الألياف.. السر الأساسي الذي يغفله الجميع
إليك حقيقة غير مريحة: يعاني الكثير من الناس من مشكلات في الجهاز الهضمي خلال شهر رمضان، وغالباً ما يكمن السبب الرئيسي في نقص الألياف. وعندما تقل فترة تناول الطعام وتتغير أوقات الوجبات بشكل كبير، يحتاج جهازك الهضمي إلى أكبر قدر من الدعم الذي يمكنه الحصول عليه.
وتعمل الألياف على إبطاء امتصاص الجلوكوز، وتعزز الشعور بالشبع، وتدعم صحة الأمعاء، وتمنع الإمساك الذي يحدث بشكل شائع نتيجة تغير أنماط الطعام. ومع ذلك، لا يرقى إجمالي تناول الألياف لدى معظم الأشخاص إلى المستوى المطلوب.
واحرص على زيادة استهلاكك من الألياف تدريجياً، على سبيل المثال، إضافة الفواكه المجففة العضوية كالتين والتمر والمشمش إلى روتينك الغذائي خلال الأسابيع القادمة. وقد تؤدي الزيادات المفاجئة والكبيرة إلى الانتفاخ وعدم الراحة، لذا من الأفضل البدء تدريجياً.
نقطة انطلاق ذات معنى
يجدر بنا التوقف قليلاً للتفكير في كيفية تأثير ما نأكله على حالتنا النفسية. فقد يؤثر انخفاض الطاقة، والتشوش الذهني (ضباب الدماغ)، والمشكلات الهضمية بشكل خفي على حياتنا اليومية، وخصوصاً خلال شهر رمضان. ولا يتعلق اختيار الأطعمة المغذية والعضوية والكاملة بالسعي نحو الكمال أو الضغط على النفس، بل بإعطاء جسمك ما يحتاجه ليشعر بالثبات والصفاء والدعم. وقد تساعدك الخيارات الصغيرة التي تتخذها الآن على دخول شهر رمضان وأنت تشعر بخفة أكبر وتوازن أكبر وقدرة أكبر على التركيز بالأمور الأكثر أهمية. وعندما يشعر جسمك بأنك تعتني به، يصبح الحضور الذهني، والتأمل، والتواصل طوال شهر رمضان أسهل وأكثر طبيعية.
![]()


