شهدت أسعار الذهب تقلبات ملحوظة في الأيام الأخيرة، لكنها لم تخرج عن نطاق السلوك الطبيعي للأسواق. فهذه التحركات يمكن تفسيرها إلى حدٍّ كبير بعوامل مألوفة تشمل مستويات الفائدة الحقيقية، وقوة الدولار، وتوقعات التيسير النقدي، وتغيّر شهية المخاطرة لدى المستثمرين. وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات عن أي خلل في الآليات التشغيلية لسوق الذهب، غير أن القلق مستمراً لا بسبب السعر بل بسبب البنية.
وهذا فارق جوهري. كان له أثر بالغ في لبنان بين عام 2019 وأيامنا هذه، حين أدرك المودعون متأخراً أن المال المسجّل على الميزانيات ليس مالاً متاحاً لهم. صحيح أن المقارنة مع سوق الذهب اليوم ليست مطابقة تماماً، لكنها تحمل دلالات مهمة.
عندما تتحوّل الأصول إلى مطالبات
غالباً ما يُوصَف الانهيار المالي في لبنان على أنه أزمة عملة. لكن في جوهره، كان أزمة هيكلية. فقد راكمت المصارف التزامات بالدولار تفوق قدرتها على السداد نقداً. وطالما قبل المودعون بالأرصدة الإلكترونية باعتبارها معادلة للدولار النقدي، استمر النظام في العمل. لكن ما إن انهارت هذه الفرضية، حتى ابتدعوا كياناً مالياً جديداً أطلقوا عليه اسم “اللولار” وهو مطالبة مقوّمة بالدولار تُتداول بخصم عن الدولار الحقيقي.
لا يختلف اثنان بأنه لم تختفِ الدولارات بين ليلة وضحاها، ولكم ما اختفى هو القدرة على توفيرها عند الطلب.
أما اليوم، تقوم أسواق الذهب على قاعدة مشابهة، وإن كانت أوسع بكثير وأكثر تعقيداً. فمعظم الانكشاف على الذهب لا يتم عبر السبائك، بل من خلال العقود الآجلة، والصناديق المتداولة في البورصة، والحسابات غير المخصّصة، والمشتقات خارج البورصة. هذه الأدوات تتمتع بالسيولة والكفاءة، وهي مناسبة في الظروف الطبيعية. لكنها في النهاية مطالبات على الذهب، لا معدن الذهب ذاته. ويعمل هذا النظام لأن المشاركين في السوق غير كارثين باستلام الذهب فعلياً.
الرافعة المالية والتقلبات
تلعب الرافعة المالية دوراً محورياً في هذه البنية. فهي لا تخلق طلباً فعلياً على المعدن، بل تضخّم الأثر المالي. وعندما تتحرك الأسعار بقوة، تُجبر المراكز المموّلة بالاقتراض على التسييل وتتراجع السيولة، وتزداد التقلبات. وهذا يفسّر جانباً كبيراً من حركة أسعار الذهب في الآونة الأخيرة.
لكن ما لا يفسّره هذا العامل هو القلق الأعمق المتنامي بين المستثمرين: الوعي المتزايد بحجم الانكشاف القائم على أدوات ورقية مقارنة بالعرض المعدني.
هذا ليس اكتشافاً جديداً. فأسواق السلع لطالما عملت عبر طبقات من المطالبات. ما يصنع الفارق هو الثقة: الثقة بأن العقود ستُسوّى بسلاسة، وأن التسوية النقدية ستظل مقبولة، وأن التسليم الفعلي سيبقى استثناءً لا قاعدة.
لماذا مقاربة الذهب واللولار غير جائزة عالمياً؟
من المهم عدم المبالغة في المقارنة. فالذهب نفسه لا يمكن أن يتحول إلى “لولار”. فالذهب الفيزيائي لا يصدر عن جهة ولا ينطوي على مخاطر طرف مقابل ولا يعتمد على نظام مصرفي أو ميزانية سيادية ولا يمكن تجميده أو إعادة تسعيره أو إخضاعه لإعادة هيكلة.
في حين أن “اللولار” ظهر لأن الدولارات الفعلية لم تكن موجودة. أما الذهب، فيوجد مستقلاً عن الوسطاء الماليين.
مخاطر تفكك السوق وتعددية المعايير
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه سوق الذهب ليس انهيار الأسعار، بل تفكك السوق وتعددية المعايير. في سيناريو ضغط شديد ناجم عن اضطراب مالي، أو تراجع مفاجئ في الثقة بالتسويات الورقية قد ينقسم السوق إلى مسارات متباينة:
- تداول الذهب الفيزيائي بعلاوة سعرية
- تفضيل الحيازات المخصّصة على الانكشافات الاصطناعية
- تسعير الأدوات الورقية وفق شروط السيولة لا الندرة
ولن يكون ذلك فشلاً للذهب كأصل، بل إعادة تسعير للفارق بين الملكية والانكشاف. وقد اختبر المودعون اللبنانيون هذا التحول حرفياً. كان خطؤهم افتراض أن كل الدولارات متساوية، إلى أن أثبت النظام العكس.
مسألة ثقة
لا يواجه الذهب أزمة عرض. بل يواجه سؤال ثقة. وطالما يكتفي المستثمرون بالتعرّض السعري دون الحيازة، سيستمر الذهب الورقي في أداء دوره كما هو مصمم. أما إذا تغيّر هذا التفضيل، ولو بشكل محدود، فسيعود التمييز بين المطالبة والأصل إلى الواجهة بسرعة. فالأسواق تميل إلى تجاهل هذه الفروق في فترات الهدوء، لكنها تعيد اكتشافها فجأة تحت الضغط.
في النهاية، لم تبدأ أزمة لبنان بحالة هلع، بل بسؤال بسيط: ما الذي أملكه فعلاً؟ وسيكون من التحوّط أن تحتفظ أسواق الذهب بهذا السؤال في ذهنها.
![]()
