| ليست لافتة ” كوفي كايروس” ما يوجّهك نحو المكان، ربّما قلبك أو حتّى رائحة التحميص الغنية التي تتسلّل عبر الباب وصولًا إلى الشارع. ولو تبعت حواسك، تبلغ واجهة زجاجية كبيرة تغمر المكان بالضوء وتتيح لنور الشمس بالدخول إلى كل ركن، بما في ذلك الطابق العلوي. وبمجرّد أن تدخل المكان، يغمرك سحر لا يوصف وتبدأ تجربة جديدة لم يسبق لك أن اختبرتها. وهنا، لا نتحدث فقط عن محمصة “بيلويذر” (Bellwether) الأولى من نوعها في دولة الإمارات، بل أيضًا عن كل تفصيل من التفاصيل الداخلية. تتوسّط المشهدية “Coffee Assembly” أو “اللمّة على فنجان القهوة”، حيث تتربّع طاولة دائرية بقطر مترين تم نحتها يدويًا من كتلة حجرية واحدة جُلبت من الهند بواسطة شركة التصميم “شيد استوديو” (SHED Studio) القائمة في مدينة سورات. ولا تشكّل هذه الطاولة المشتركة مجرّد عنصر من عناصر الديكور، إذ صُمّمت ليزداد طابعها ثراءً بمرور الوقت مع آثار الأيدي التي تلامسها والقصص التي تترك بصمتها عليها.
خلف المنضدة، تجد “غروف”. ومعه، لن تتعرّف فقط إلى الباريستا الأساسي في المقهى أو إلى خبير القهوة المختصّ، بل ستستكشف أيضًا جوهر روح المكان وموسيقاه. فبينما يتنقّل بخفة ويلبّي طلبات العملاء، تسمع قائمة أغانيه المختارة في الخلفية وتشعر بتأثير ألحانها وكلماتها في محيط منضدة البار المصنوعة من الحجر الجيري الأحمر الطبيعي. وفي تلك اللحظات تحديدًا، لن ترغب في المغادرة وسيشدّك شيء ما للبقاء والاستمتاع بكل تفصيل، مهما كان بسيطًا. وفي كوفي كايروس، يحمل كل عنصر معنى حقيقيًا. فلن تجد ما يحتاج إلى شرحه على الجدران أو إلى بيعه على الرفوف. وقد اختيرت ملامح المقهى بعناية وبوحي من فلسفة “وابي-سابي” التي تحتفي بالبساطة وتستبعد كل ما يزيح الاهتمام عن التجربة بحد ذاتها. ولذلك، لن تجد شعارات ضخمة أو تفاصيل زخرفية مزدحمة. هنا، المساحة مفتوحة أمامك: استمتع بقهوتك، شارك في الأحاديث الجارية، واترك الحرفية وحدها تطبع بصمتها في تجربتك.
أمّا الروائح التي تنبعث في كوفي كايروس، فلها حكاية مختلفة. والسرّ؟ ستعرفه فور دخولك، حيث تتوسّط محمصة “بيلويذر” المقهى على مرأى الزوار لتتيح استكشاف ما يجري عادةً خلف الجدران. وهذه الماكينة هي الأولى من نوعها في دولة الإمارات وتتميّز بأنّها كهربائية بالكامل، لا تحتاج إلى نظام تهوية ولا تطلق انبعاثات ضارة. وبفضلها، القهوة التي تحتسيها طازجة بكل ما للكلمة من معنى. فأمام مرأى عينيك، ستشهد كيف تتحمّص الحبوب ويتحوّل لونها ثم تصبح جاهزة للتلذّذ بها في فنجانك. والمشهدية التي تراها وتعيشها ليست مجرّد استعراض، بل دليل واضح على جودة القهوة التي تُقدّم لك. فالمحمصة ليست جزءًا من ديكور المكان، بل جزء من قصته: الحبوب التي تراها في الكيس على المنضدة كانت خضراء منذ أيام، وفنجان القهوة الذي ترتشفه لم يمضِ وقت طويل على تحضيره. فمنذ دقائق معدودة، كانت الماكينة تحمّص الحبوب داخل المكان نفسه وبالطريقة التي شاهدتها للتو أمام عينيك.
وبذلك، يتجسّد شعار كوفي كايروس بكلّ ما للكلمة من معنى: من المحمصة إلى الفنجان. فمنذ اللحظة الأولى، تعبر حبوب البن رحلة سريعة، من التحميص إلى الطحن إلى الفنجان. ولذلك، حين تصلك القهوة وأنت جالس إلى طاولتك، ستكون قد أُعدّت لك وحدك وليس لأي أحد سواك. ولو وجدت قهوة V60 على القائمة، لا تعتقد أنّها مجرّد خيار من الخيارات الأخرى المتاحة. فعلى طاولة “اللمّة”، يستحقّ هذا الطقس التقليدي أن تلتفت الأنظار إليه: صبّ بطيء، حركات هادئة ومحسوبة، وتجربة لا بدّ من الاستمتاع بمراقبتها حتّى آخر قطرة. أمّا خيارات القهوة الأخرى، فقد تم أيضًا اختيارها بعناية ويكشف كل خيار منها عن خصائص مميّزة في الفنجان، سواء من خلال اللون أو الطعم أو القوام أو التوازن. ومعها، تأتي اللمسة الخاصة بكايروس: قهوة جديدة يتم تحضيرها كل يوم ومشاركتها مع الحاضرين حول الطاولة، أي قهوة تجمع الناس حولها وتجعلهم يتشاركون اللحظات نفسها.
ويلتزم كايروس كوفي بالمبدأ نفسه في قائمة الطعام: لا شيء جاهز ولا شيء يأتي من خارج المكان، بل كل وجبة معدّة من الصفر داخل المقهى. فالكرواسونات مثلًا تُورّق من الصفر وتُخبز طازجة كل صباح قبل أن يفتتح المقهى أبوابه، ومن بينها كرواسان الكاجو المخبوز مرتين (Twice-Baked Cashew Nut)، وهو وصفة خاصة بكايروس، يعود إلى الفرن مرة ثانية لتصبح حوافه هشة وداكنة بينما يحتفظ قلبه بطراوته. أمّا خيارات الأطعمة المالحة، فتفي أيضًا بما تعد به، وأبرزها طبق (Eggs on Eggs on Eggs) الذي يقدّم البيض بثلاث طرق مختلفة، بما يضمن طبقًا واحدًا يجمع بين الفكرة المرحة والدقة في التنفيذ. وعلى امتداد النهار، يواصل المطبخ عمله لتقديم مجموعة مختارة من الأطباق، مثل طبق لحم الضلوع (Beef Short Rib Bowl) الذي يُجهّز من لحم البقر الطري المفتت مع الأفوكادو والمانغو. وبعد الغداء، يحين وقت التلذّذ بالحلويات، وأكثرها تميّزًا طبق المادلين (Max’s Madeleines) الذي يختم تجربتك بلمساته الدافئة والمتباينة بين الزبدة البنية والشوكولاتة الداكنة وملح البحر، وبين الماتشا والتوفي اللزج. وبالتالي، لا مجال للعجلة في كايروس. فكل طبق يُمنح الوقت الكامل لتجهيزه وتقديمه والاستمتاع به، بدءًا من المعجّنات الطازجة وصولًا إلى الأطباق المالحة والحلويات. فبالنسبة إلى كايروس، القليل بإتقان استثنائي أفضل من الكثير بلا تميّز.
تغمر كايروس كوفي الروح نفسها في كل ركن من أركان المقهى، وتتجاوز الحرفية العالية المحمصة وتتجسّد في جميع التفاصيل الأخرى. فالصواني الخشبية التي تُقدّم بواسطتها القهوة على الطاولات والتي تحمل توقيع “شيد استوديو” ما زالت تحتفظ ببقايا نشارة الخشب. وعلى سطحها، تظهر مربعات صغيرة مطبوعة ومصبوبة من التيناكس، فيخيّل لك للوهلة الأولى أنّها بقعة قهوة. ويكاد هذا التفصيل الخافت يكون سرًا ما لم ينتبه أحد إليه. وحتّى سترات الكتان التي يرتديها الباريستا مطرّزة يدويًا وبكميات محدودة بالتعاون مع استوديو الأنسجة “كيساغوي” (Kissagoi) في مدينة سورات. وفي هذا المكان، لا تُعدّ الحرفية شعارًا، بل تعكس ببساطة جوهر المكان. ولذلك، تحرص كايروس على احتضان هذه الروح والحفاظ عليها، وتخصّص بشكل دائم مساحة لاستضافة معارض تتجدّد باستمرار.
وفي شهر أغسطس، تتزيّن جدران كايروس بجدارية خزفية للفنان كمال الزعبي بعنوان (What Remains of Faces). ويتكوّن هذا العمل الفني من ثلاثين قطعة منفصلة تشكّلت كل قطعة منها بتقنية الضغط اليدوي، بحيث تحمل ملامح وجه عالقة ما بين الاكتمال والغياب: ترفض استكمالها، وترفض أيضًا نسيانها. ويُعدّ هذا العمل ثمرة التعاون بين كايروس وبيت الطين (House of Clay)، الاستوديو الإماراتي الذي تملكه وتديره نساء من مشغله الخاص في دبي، والمعروف بأعماله الفنية المصنوعة يدويًا وقطعه المنفّذة حسب الطلب. ولعلّها البداية الأنسب لافتتاح مساحة مبنية على القناعة نفسها: إنّ من يصنع الأشياء بيديه يستحقّ أن يُذكر اسمه، بدون أن يختفي خلف أسطر التقدير والشكر.
وتمتدّ روح الانفتاح إلى يوميات كايروس. فبين جلسات تذوّق القهوة واللقاءات المميّزة، يتجدّد برنامج الفعاليات في المقهى بشكل مستمرّ حتّى يشعر الزوار بدافع متكرّر لزيارة المكان واختبار التجارب فيه. وحتّى الجدران لن تحمل طابعًا ثابتًا، بل تشكّل مساحة تلهم الأحاديث والنقاشات ومشاركة الأفكار، حيث تدعو الفنانين الصاعدين والمبدعين المحليين والعلامات التجارية الملهمة إلى عرض أعمالهم.
بالنسبة إلى شيراز ساروار، مؤسس كايروس، يحدث افتتاح المقهى فرقًا يلامسه شخصيًا، لا سيّما بعد سنوات من العمل وفق نموذج التوصيل حصرًا: “أتاح لي افتتاح كوفي كايروس والإشراف عليه اختبار معنى التواصل الإنساني، وهو ما لم يكن بإمكاني اختباره من خلال عملي القائم على التوصيل حصرًا. فالتجربة بحد ذاتها لا تشبه أي شيء آخر، أن أتمكّن من التحدث مباشرةً مع الناس كلّما اجتازوا عتبة المكان، أن أعرّفهم على عملنا، أن أجعلهم جزءًا لا يتجزأ من رحلتنا… كلّ هذا يمنحني شعورًا غير مسبوق، وهو الأكثر إرضاءً بالنسبة إليّ”.
وحتّى أصغر التفاصيل في كوفي كايروس تولّدت أحيانًا من الحدس، بعيدًا عن أي خطط مسبقة، بحيث يقول ساروار: “تبعنا بالفعل حدسنا في العديد من التفاصيل المتعلّقة بالمكان، وأبرزها طاولة “اللمّة على فنجان قهوة” من تصميم “شيد استوديو”. وقد رغبنا أيضًا في منح قهوة V60 والطقوس الخاصة بها المساحة التي تستحقّها، وذلك من خلال امتداد منضدة البار. وبكل صراحة، يسعدني جدًا أنّنا اتّبعنا هذا الاتجاه في التصميم”. ويضيف ساروار بكل شغف: “تم تصميم كوفي كايروس ليكون المساحة التي لا تفسح للعجلة أي مجال. وهنا، ندعو ضيوفنا إلى اختبار تجربة كايروس كما نعيشها نحن: تجربة متأنية يمكن الاستمتاع بكل لحظة فيها، تجربة مريحة تتيح عيش الحاضر بكل معناه”.
عرف الإغريق القدماء وجهين للزمن، وأشاروا إليهما بكلمتين. الأولى Chronos أي زمن الساعة: يقيسه العقرب، وترتّبه المواعيد، ويتقدّم بدون توقّف. والثاني Kairos أي زمن اللحظة: لحظة تأتي في وقتها الخاص، ولا تنتظر أحدًا، وتضيع منّا ما لم نعطيها أهمية. ومن هذه اللحظة تحديدًا، وُلدت فكرة كوفي كايروس: مكان لا نأتي إليه لمجرّد شراء القهوة، بل نعود إليه في كل مرة لنعيش التجربة بكل جوانبها ونستكشف الطقوس الفريدة ونمنح الأحاديث وقتها ونلتقي الأشخاص الذين يجتمعون فيه.
![]()
