مقامات التفرّد تناقش مدارات الإبداع وتبحث عن مسقط رأس العمل الأدبي

مقامات التفرّد تناقش مدارات الإبداع وتبحث عن مسقط رأس العمل الأدبي

 

 

أقيمت أمس الأول ندوة  بعنوان “مقامات التفرد الإبداعي” في ملتقى الأدب، ضمن فعاليات الدورة الـ 36 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث استضافت كلاً من الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والروائي المصري يوسف رخا، والدكتور الشاعر محمد أبو الفضل بدران، وأدارها الصحفي محمد أبو عرب، وتضمنت الندوة مناقشة بعض المحاور مثل: كيف يمكن للكاتب أن يذهب بعيداً في مقامات التفرّد ويُمعن في تحقيق مراده دون الاصطدام بواقع التكرار وتجاوز السائد، وهل يستطيع الكتّاب الفكاك من هذه الفخاخ وعدم الانجرار ورائها ليصعد بخفّة إلى مرتبة متقدمة من الإبداع تخوّله لأن يترك بصمة استثنائية على جدار الأدب الإنساني؟ وما هي ضرورة المكان للاستجابة الفورية لعامل الحنين وترجمته إلى فرادة أدبية شاسعة؟

وتطرق الروائي المصري يوسف رخا، في مستهلّ حديثه إلى بداياته الأدبية، حيث وصف الحالة التي عاشها بالتمرّد الأدبي على الواقع الثقافي العام الذي كان يفرض فرضاً على جموع الأدباء والمثقفين معتبراً أن مجمل الإنتاجات الأدبية بأشكالها المختلفة آنذاك كانت توصف بالرواية.

وقال رخا:” سعيت في أعمالي الأدبي لأن أذهب نحو النصوص المفتوحة وبشكل أدقّ أدب المكان، كوني كنت أقوم برحلات قصيرة لكل من بيروت وتونس وغيرها من العواصم العربية، وكنت اكتب نصوصاً عن تلك المدن، حتى اكتشفت أنني في الحقيقة أحوم حول مدينة القاهرة، وأن تلك الرحلات والمقاربات لم تكن سوى تقريباً طفيفاً للمكان وخطوة للأمام تقودني نحو مدينتي”.

وتابع:” عندما وصلت لهذه المواجهة، اتخذ نسق العمل الأدبي الذي أقوم به شكل الرواية، حيث تسرّب الخيال إلى الكلمات، وبدأت أسرد سيرة المكان، أو على وجه الدقة سيرتي في المكان، وبتصوّري أن ما حصل معي هو أن الشكل الأدبي الذي نبع كان نتيجة التجربة المكانية”.

وعلى صعيد التفرّد الإبداعي، قال رخا:”على المستوى الشخصي، أعتبر أن التفرّد يكمن في الوصول إلى لغة وسطية، تدمج ما بين المحكية والفصحى، ويمكن هذا الأمر بالنسبة لي لتداخل اللهجات في المدن التي ذهبت اليها وتفاعلت معها، إلى جانب اللغة التي تضمنتها الكتب التي تسرد تاريخ القاهرة، هذا المزج يولّد لغة تصلح للعمل الأدبي يمكن من خلالها أن يذهب الأديب بأدبه نحو الفرادة”.

ومن جانبه، أشار الأديب الفلسطيني، صاحب مشروع الملهاة الفلسطينية، إبراهيم نصر الله، إلى أن التفرّد الإبداعي مسألة مركّبة، ويمكن دعوتها بالمعقدة، لافتاً إلى أنها لا تمتلك قاعدة تستطيع أن تحكم من خلالها على أن تلك النصوص أو غيرها بأنها متفرّدة.

وقال نصر الله:” التفرّد ليس رهيناً بالكمّ، هو أقرب إلى النوع، هنالك كتّاب لديهم إنتاجات كثيرة وتجارب كبيرة لكن أي منهم لم يصل إلى فرادته الإبداعية، والعكس صحيح، وهناك كتّاب يكتبون منجزات كثيرة ويجيء عمل ما يأكل كل منجزاتهم ويصبح هو العمل الأشهر الواقع الذي أصفه بـ لعنة العمل الجميل، كون القراء عموماً يخضعون لسطوة الجاهز أي الأعمال المتفق عليها ويتم الحكم على هذا العمل دون اللجوء إلى بقية أعمال الثانية”.

 

وتابع:” ستكون مشكلة كبيرة لأي كاتب إن لم يستطع الوصول إلى هذا التفرّد الأدبي، إلى جانب مشكلة عدم وجود مجموعة من الأعمال المتفردة الأساسية لتكون حول العمل الإبداعي”.

ومن جانبه استهلّ الدكتور الشاعر محمد أبو الفضل بدران، مداخلته بالإشارة إلى قريته في صعيد مصر التي سقته ريق الأدب، ليذهب نحو سؤال يشير إلى من يحكم على تفرّد عمل الأديب؟ قائلاً:” على الأديب أن يعي حقيقة إذا كان الجمهور هو الحكم فهو لابد أن يذهب باتجاه إيجاد لغة تصل للجمهور وتخدم رؤاهم فهو يكتب آمال وآلام الناس، وفي الواقع لدينا جوائز مهمة في الوطن العربي كجائزة ترجمان، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، ما يدفع باتجاه إيجاد حالة تنافسية على التفرد الإبداعي”.

 

وذهبت الندوة لتطرح مسألة المكان وأثره على المؤلف، وكيف يسهم انفصال الأديب عن مكانه وذاكرته في صناعة التفرّد الأدبي، ليقول الروائي يوسف رخا: “إن علاقة الكاتب مع مكانه شكل من أشكال الإقامة الجبرية، لا فكاك منها”، لافتاً إلى أن لكل كاتب مؤلف أول، يحاول فيه ترجمة ما كتبه في مؤلفاته اللاحقة.

وأكد نصر الله أن المكان ليس شيئاً مجرّداً باعتباره مجموعة من تلك الأحداث والمواقف الحياتية في كل زوايا، وهذا ما يمنحه تلك الخصوصية، معبّراً عن هاجس الغياب الحاضر في كونه كتب سيرة وطن لم يعش فيه، بوصفه حالة من المصادفات الغريبة أن تصف مكاناً لم تره، قائلاً:” على العمل الروائي أن يفاجئك بالمكان، ويوصلك لهذه النقطة التي تقرأ فيها ملامح مغايرة للمدينة التي تعرفها، ومن هنا ينبع التفرّد”.

وعبّر أبو الفضل بدران عن أن المكان هو المساعد والمعين على استرجاع السير الذاتية التي تكتظ بها الذاكرة، مشيراً إلى أكبر دليل على ذلك هو وقوف الأدباء على الأطلال، واصفاً إياها بالمشكّل الفاعل لوجودهم الثقافي، والملهم لنتاجاتهم الأدبية، وأن الكاتب يكتب إما عن قمّة الفرح، أو قمّة الحزن وفي الحالتين يحرضه المكان على البحث عنه.

اترك تعليقاً